محمد حسين علي الصغير

56

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

وقول الفرزدق : سقاها خروق في المسامع لم تكن * علاطا ولا مخبوطة في الملاغم وقد عقب على هذه النماذج بقوله : « أنت ترى مجازا في هذا كله ، ولكن لا في ذوات الكلم ، وأنفس الألفاظ ، ولكن في أحكام أجريت عليها . أفلا ترى أنك لم تتجوز في قولك : نهارك صائم وليلك قائم في نفس « صائم » و « قائم » ولكن في أن أجريتهما خبرين على الليل والنهار ، كذلك ليس المجاز في الآية في لفظة « ربحت » نفسها ، ولكن في إسنادها إلى التجارة . وهكذا الحكم في قوله سقاها خروق ، ليس التجوز في نفس « سقاها » ولكن في أن أسندها إلى الخروق . أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته ؟ فلم يرد بصائم غير الصوم ، ولا بقائم غير القيام ، ولا بربحت غير الربح ، ولا بسقت غير السقي . . . » « 1 » . 2 - وعنده - في أسرار البلاغة - أن المجاز إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل ، وإذا عرض في المثبت فهو متلقى من اللغة « 2 » . ومسألة الاثبات والمثبت نشير لها توضيحا فيما يأتي : أ - قال تعالى يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ . . . « 3 » . فإن الجعل هو الوضع ، والوضع حاصل وهو المثبت ، ولا مجاز فيه ، ولو تحقق لكان مجازا لغويا ولا شاهد فيه ، وإنما المجاز في الآية في الإثبات ، وهو فيها الأصابع ، لأن المراد حقيقة بهذا الوضع : ذلك القدر المحدود من الأصابع الذي تستوعبه الآذان في الوضع - وهو عادة : الأنامل فحسب والأنامل بعض الأصابع ، وهنا تحقق المجاز في الإثبات ، وهو الأصابع لإرادة الأنامل منها ، لأن المثبت وهو أصل الوضع حاصل على حقيقته .

--> ( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 193 . ( 2 ) ظ : عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة : 344 . ( 3 ) البقرة : 19 .